الأخبار المحليةالرأي والتحليل

المرسوم بقانون التعديلات المتنوعة لسنة 2026 تعديلات متتالية غير مدروسة على مفهوم شركات القطاع العام في قانون الشركات

أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب

 

تناول المرسوم المؤقت بقانون التعديلات المتنوعة لسنة 2026 تغييرات طالت قانون الشركات لسنة 2015، ونص على استبدال تعريف شركة القطاع العام ليصبح: «أي شركة مسجلة بموجب أحكام هذا القانون أو أي قانون آخر، وتكون أجهزة الدولة الاتحادية أو الولائية مساهمة فيها بنسبة تزيد على 50%. ويعني ذلك أن القانون استهدف إخضاع جميع الشركات التي تساهم فيها الحكومة الاتحادية أو الولائية بنسبة تزيد على 50% لأحكام شركات القطاع العام، بعد أن كان نطاق تطبيق هذه الأحكام مقصوراً على الشركات المملوكة للحكومة الاتحادية أو الولائية بنسبة 100%.

غير أن التعريف الذي استحدثه المرسوم المؤقت لا يتناسب مع طبيعة الشركات التي يساهم فيها القطاع الخاص أو الحكومات الولائية، إذ إن الأحكام المنظمة لشركات القطاع العام صيغت في الأصل لتحكم الشركات المملوكة للحكومة الاتحادية وحدها. ومن ثم، فإن توسيع نطاق تطبيقها ليشمل الشركات التي يساهم فيها القطاع الخاص أو الحكومات الولائية يتعارض مع طبيعة مشاركة القطاع الخاص في الشركات، ويحد من قدرته على المشاركة في اتخاذ القرار، ويؤدي إلى تشويه بيئة الاستثمار، كما لا يشجع على إقامة شراكات ومشروعات مشتركة بين القطاعين العام والخاص وذلك إلى الاعتبارات الآتية:

1- عدم ملاءمة الأحكام المنظمة لشركات القطاع العام في قانون الشركات لطبيعة الشركات المختلطة.
فقد أُدرجت أحكام شركات القطاع العام في قانون الشركات لسنة 2015 بموجب قانون التعديلات المتنوعة (الولاية على المال العام) لسنة 2023. وقد صيغت هذه الأحكام بما يتناسب مع الشركات المملوكة للحكومة الاتحادية بنسبة 100%، واستهدفت تنظيم هذه الفئة من الشركات، وليس الشركات التي يساهم فيها القطاع الخاص أو الحكومات الولائية.

ومن بين القواعد التي أوردها القانون، ولا تتناسب مع طبيعة الشركات التي يساهم فيها القطاع الخاص أو الحكومات الولائية، النص على أن يكون لشركة القطاع العام وزير قومي مسؤول، له الحق في إصدار التوجيهات العامة في أي أمر يتعلق بالشركة، على أن يلتزم مجلس الإدارة بالعمل وفقاً لتلك التوجيهات. وتكمن إشكالية هذه القاعدة في أن الشركة، بحكم طبيعتها، تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة، ويتولى مجلس إدارتها المسؤولية الإدارية والتنظيمية والمالية عن أعمالها. أما إلزام مجلس الإدارة بتنفيذ توجيهات وزير قومي، فيخرج الشركة عن طبيعتها التجارية، ويحولها إلى وحدة إدارية تعمل وفقاً للتوجيهات الحكومية، بدلاً من أن تُدار وفقاً لمقتضيات النشاط التجاري واعتبارات الجدوى الاقتصادية، فضلاً عن أنه يؤدي إلى تغييب دور المستثمرين من القطاع الخاص بصورة كاملة.

وتثير هذه التبعية تساؤلاً جوهرياً بشأن المسؤولية القانونية في حال ترتب على تنفيذ توجيهات الوزير القومي وقوع خسائر مالية للشركة وإلحاق أضرار بالمستثمرين من القطاع الخاص: فمن يتحمل المسؤولية عن تلك الأضرار في هذه الحالة؟

2- تقييد صلاحيات الشركة في التصرف وإقامة المشروعات.
تخضع صلاحية شركة القطاع العام في الشراء والبيع وتشييد المباني وإقامة المنشآت لموافقة وزير المالية الاتحادي. ومن شأن هذه القاعدة أن تشكل عائقاً أمام مشاركة القطاع الخاص في تأسيس شركات مشتركة مع القطاع العام، كما تحد من قدرة الولايات على إنشاء شركات حكومية تتمتع بالمرونة اللازمة لممارسة أنشطتها. فطبيعة الشركات تقتضي أن يتولى مجلس الإدارة دراسة الفرص التجارية والاستثمارية، واتخاذ القرارات المتعلقة بالبيع والشراء وإقامة المشروعات، في حدود القانون المنظم لنشاط الشركة، دون إخضاع هذه القرارات لموافقات مسبقة من جهات حكومية. ذلك أن اشتراط الحصول على تلك الموافقات يقيد المرونة اللازمة لإدارة الشركات وممارسة أنشطتها التجارية والاستثمارية.

3- سلب الشركاء الآخرين حق المشاركة في تعيين مجلس الإدارة.
يتولى إدارة شؤون شركة القطاع العام مجلس إدارة يُعيَّن بالكامل من قبل مجلس الوزراء، وفقاً لتوصية الوزير القومي المسؤول عن الشركة. ويترتب على ذلك سلب الشركاء الآخرين، سواء كانوا من القطاع الخاص أو من الولايات، حقهم في ممارسة صلاحيتهم في تعيين ممثليهم في مجلس الإدارة. وبعبارة واضحة، فإن من يساهم في شركة قطاع عام، سواء أكان مستثمراً من القطاع الخاص أم حكومة ولائية، لن يكون له دور يتجاوز تقديم حصته المالية في الشركة، بينما تظل إدارة الشركة ومصير استثماراته خاضعين لسياسات مجلس الوزراء ووزير المالية والوزير القومي المختص، دون أن تكون له مشاركة فعلية في إدارة الشركة بصفته مساهماً فيها.

4- إخضاع التصرف في الأرباح والمكافآت لموافقة وزير المالية.
نص القانون على عدم جواز التصرف في صافي الأرباح أو توزيع المكافآت إلا بعد الحصول على موافقة وزير المالية. وتؤدي هذه القاعدة إلى جعل الشركة كياناً تابعاً لوزارة المالية، بدلاً من أن تكون كياناً تجارياً مستقلاً يتألف من مساهمين، لكل منهم حقوق والتزامات يتعين مراعاتها وفقاً للقانون والنظام الأساسي للشركة.

5- إلزام الشركة بتلقي خدماتها القانونية من وزارة العدل.
تتضمن قواعد قواعد تأسيس شركات القطاع العام أن تكون للشركة إدارة قانونية تتكون من مستشاري وزارة العدل، تتولى تقديم الخدمات القانونية لها. وبالطبع، فإن هذا التنظيم لا يتناسب مع الشركات التي يساهم فيها القطاع الخاص، إذ يسعى المستثمر الخاص إلى اختيار محامين ومستشارين قانونيين وفقاً لمعايير يحددها، لتمثيله وتقديم الخدمات القانونية التي يحتاج إليها، بما في ذلك صياغة العقود، والترافع أمام المحاكم، والتمثيل أمام هيئات التحكيم، وتقديم الآراء القانونية التي تخدم مصالحه. ومن ثم، فإن إلزام الشركة بتلقي خدماتها القانونية من وزارة العدل لا يتناسب مع طبيعة الشركات التي تقوم على مشاركة القطاع الخاص، ولا يراعي حق المساهمين في اختيار التمثيل القانوني الذي يرونه مناسباً لمصالح الشركة.

6- غياب الاستقرار التشريعي وعدم استناد التعديلات إلى دراسة واضحة.
من الضروري الإشارة إلى حالة عدم الاستقرار التي لازمت تحديد مفهوم شركات القطاع العام، وغياب دراسة واضحة تستند إلى الدراسات المقارنة والأسس والمعايير القانونية والاقتصادية ذات الصلة. ويتجلى ذلك في التعديلات المتعاقبة التي طالت مفهوم شركة القطاع العام، دون أن يصاحبها أي تعديل على القواعد الأخرى المنظمة لهذه الشركات.

فعندما صدر قانون التعديلات المتنوعة (الولاية على المال العام) لسنة 2023، ونص على إدراج الفصل الخاص بشركات القطاع العام ضمن قانون الشركات، عُرّفت شركة القطاع العام بأنها الشركة التي تساهم فيها أي من أجهزة الدولة بأي نسبة، وعلى جميع مستويات الحكم، رغم أن الأحكام التي أُدرجت كانت منقولة، في جوهرها، عن تعديل قانون الشركات لسنة 1996، الذي كان نطاق تطبيقه مقصوراً على الشركات الاتحادية.

وعندما اتضح أن القواعد المدرجة لا يمكن تطبيقها على جميع الشركات التي تساهم فيها الحكومة بأي نسبة، صدر تعديل في عام 2024 نص على تعديل تعريف شركة القطاع العام ليصبح: «أي شركة مملوكة لأجهزة الدولة الاتحادية والولائية بنسبة 100%». وبذلك تغير اتجاه المشرّع، دون أن يصاحب ذلك أي تعديل في القواعد المنظمة لشركات القطاع العام.
ثم جاء التعديل الأخير ليضع تعريفاً جديداً يوسع نطاق شركات القطاع العام ليشمل الشركات التي تتجاوز مساهمة أجهزة الدولة فيها نسبة 50%، دون أن يُجري أي تغيير على القواعد التي تحكم هذه الشركات.

وبالنظر إلى النظام الذي استُمدت منه أحكام شركات القطاع العام، وهو تعديل قانون الشركات لسنة 1996، يتضح أن تعريف شركات القطاع العام في ذلك التعديل كان يقصرها على الشركات المملوكة للحكومة وحدها بنسبة 100%.

وتكشف هذه التعديلات المتعاقبة، خلال فترة زمنية وجيزة، عن مدى الاستسهال في إجراء تعديلات على تشريعات يفترض أن تتسم بدرجة مناسبة من الاستقرار. كما تكشف عن أن هذه التعديلات لا تستند إلى دراسات متكاملة توضح مخاطرها وآثارها على جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الجهات الحكومية والمستثمرون وبيئة الاستثمار بوجه عام.

من الضروري تعديل تعريف شركات القطاع بما يتناسب من تمكين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات من تأسيس شركات وإدارتها وفق نظام القطاع العام في حال كانت الملكية خالصة للحكومة الاتحادية أو المحلية، أما وضع تعريف جديد يسلب صلاحيات القطاع الخاص في الشركات التي يساهم فيها بالشراكة مع الحكومة فإن ذلك لا يعود إلا بالضرر على هذه الشراكات وعلى بيئة الاستثمار.

 

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى